الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

300

تفسير كتاب الله العزيز

فلمّا سار أبو سفيان بالأحزاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غدرت بنو قريظة نبيّ اللّه ، وقطعوا الحلف الذي كان بينه وبينهم . فلمّا هزم اللّه الأحزاب أمر اللّه نبيّه أن يقاتل بني قريظة . فأرسل إليهم المنافقون : إن أراد محمّد أن يخرجكم من المدينة كما أخرج بني النضير فلا تخرجوا ، فو اللّه لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم وإن قوتلتم لننصرنكم . فاغترّ بنو قريظة بذلك ولزموا حصونهم . فقاتلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قريبا من شهر . وقذف اللّه في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم . فلمّا رأت بنو قريظة أنّ المنافقين قد خذلوهم وأيسوا من نصرتهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، وتقسم أموالهم بين المهاجرين والأنصار . ذكروا عن عبد اللّه بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبيه أنّ سعدا لم يحكم فيهم ، ولكنّ النبيّ عليه السّلام أرسل إليه فجاء على حمار فقال : أشر عليّ فيهم . فقال سعد : لقد علمت أنّ اللّه أمرك فيهم بأمر أنت فاعل ما أمرت به . قال : أشر عليّ فيهم . قال : لو ولّيت أمرهم لقتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت أموالهم . فقال النبيّ عليه السّلام : والذي نفسي بيده لقد أشرت عليّ فيهم بالذي أمرني اللّه به فيهم « 1 » . ذكروا عن عطيّة القرظيّ ، وكان فيمن عرض على النبيّ عليه السّلام يوم قريظة ؛ فمن نبتت عانته قتل ، ومن لم تنبت ترك . قال : فنظروا فإذا عانتي لم تنبت وتركت . قوله عزّ وجلّ : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ : أي : هم أشدّ خوفا منكم منهم من اللّه ، يعني بني النضير « 2 » . قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) . قال : لا يُقاتِلُونَكُمْ : يعني اليهود جَمِيعاً : أي لا يقاتلونكم شذاذا ، أي : لا

--> ( 1 ) انظر الإشارة إلى هذه القصّة وبعض مصادرها فيما سلف ج 1 ، تفسير الآية 159 من سورة آل عمران . ( 2 ) في ق وع ، وفي ز ، وفي مخطوطة ابن سلّام ، قطعة 180 : « يعني المنافقين » ، ويبدو لي أنّ هذا خطأ من ناسخ أوّل تناقله من بعده ، فإنّ سياق الآية بعده لا يدلّ على أنّ المعنيّين هم المنافقون ، والصواب ما أثبتّه إن شاء اللّه ، « يعني بني النضير » ، كما جاء في بعض كتب التفسير ، انظر مثلا : تفسير الطبريّ ، ج 28 ص 47 ؛ وإن كان ابن عاشور يرى أنّ الضمير يعود للمنافقين وإلى اليهود معا ، كما جاء في التحرير والتنوير ، ج 28 ص 101 - 102 .